الشيخ محمد رشيد رضا

14

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أي الايمان والتقوى والاستعداد للآخرة « اذهب فاحكم رأس العلم ثم ارجع لأعلمك من غرائبه » فأقول للعامي ليس الخوض في الاختلافات من عشك فادرج فإياك أن تخوض فيه أو تصغى اليه فتهلك ، فإنك إذا صرفت عمرك في صناعة الصياغة لم تكن من أهل الحياكة ، وقد صرفت عمرك في غير العلم فكيف تكون من أهل العلم ؟ ومن أهل الخوض فيه . فإياك ثم إياك أن تهلك نفسك فكل كبيرة تجرى على العامي أهون عليه من الخوض في العلم . فيكفر من حيث لا يدرى « فان قال : لا بد من دين أعتقده وأعمل به لأصل إلى المغفرة والناس مختلفون في الأديان ، فبأي دين تأمرني أن آخذ أو أعول عليه ؟ فأقول له : للدين أصول وفروع ، والاختلاف انما يقع فيهما . أما الأصول فليس عليك أن تعتقد فيها إلا ما في القرآن . فان اللّه لم يستر عن عباده صفاته وأسماءه فعليك أن تعتقد ان لا إله إلا اللّه ، وأن اللّه حي عالم قادر سميع بصير جبار متكبر قدوس ليس كمثله شئ - إلى جميع ما ورد في القرآن واتفق عليه الأئمة . فذلك كاف في صحة الدين وإن تشابه عليك شئ فقل « آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » واعتقد كل ما ورد في إثبات الصفات ونفيها على غاية التعظيم والتقديس ، مع نفى المماثلة واعتقاد أنه ليس كمثله شئ . وبعد هذا لا تلفت إلى القيل والقال . فإنك غير مأمور به ولا هو على حد طاقتك . فان أخذ يتحذلق ويقول : قد علمت أنه عالم من القرآن ولكني لا أعلم أنه عالم بالذات أو بعلم زائد عليه ، وقد اختلف فيه الأشعرية والمعتزلة ، فقد خرج بهذا عن حد العوام إذا العامي لا يلتفت قلبه إلى هذ ما لم يحركه شيطان الجدل فان اللّه لا يهلك قوما إلا يؤتيهم الجدل . كذلك ورد الخبر « 1 » وإذا التحق بأهل الجدل فأذكر علاجهم « هذا ما أعظ به في الأصول وهو الحوالة على كتاب اللّه . فان اللّه أنزل الكتاب والميزان والحديد . وهؤلاء هم أهل الحوالة على الكتاب . وأما الفروع فأقول لا تشغل

--> ( 1 ) لعله يريد حديث أبي أمامة عند الترمذي وصححه « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل »